الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
167
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يوسف ، ولكن ظاهر الآيات هو من كان في القافلة ، وقد تم البحث عن إخوته في نهاية الآية التي سبقت هذه الآيات ، وجميع الضمائر في الجمل أرسلوا واردهم وأسروه بضاعة تعود على من كان في القافلة . هنا يبرز هذا السؤال وهو : لم باعوا يوسف الذي كان يعد - على الأقل - غلاما ذا قيمة بثمن قليل ، أو كما عبر عنه القرآن وشروه بثمن بخس . . . ؟ ولكن هذا أمر مألوف فإن السراق أو أولئك الذين تأتيهم بضاعة مهمة دون أي تعب ونصب يبيعونها سريعا لئلا يطلع الآخرون . ومن الطبيعي أنهم لا يستطيعون بهذه الفورية أن يبيعوه بسعر غال . و " البخس " في الأصل معناه تقليل قيمة الشئ ظلما ، ولذلك فإن القرآن يقول : ولا تبخسوا الناس أشياءهم ( 1 ) . ثم إن هناك اختلافا آخر بين المفسرين في الثمن الذي بيع به يوسف ، وكيف قسم بينهم ؟ فقال البعض : عشرون درهما ، وقالت طائفة : اثنان وعشرون ، ومع ملاحظة أن الباعة كانوا عشرين يتضح سهم كل منهم ، وكم هو زهيد ! . . . وتقول الآية : وكانوا فيه من الزاهدين . وفي الحقيقة إن هذه الجملة في حكم بيان العلة للجملة المتقدمة ، وهي إشارة إلى أنهم باعوا يوسف بثمن بخس ، لأنهم لم يرغبوا في هذه المعاملة ولم يعتنوا بها . وهذا البيع البخس إما لأن أهل القافلة اشتروا يوسف بثمن بخس ، والإنسان إذا اشترى شيئا رخيصا باعه رخيصا عادة ، أو إنهم كانوا يخافون أن يفتضح سرهم ويجدون من يدعيه ، أو من جهة أنهم لم يجدوا في يوسف أثرا للغلام الذي يباع ويشترى ، بل وجدوا فيه آثار الحرية واضحة في وجهه ، ومن هنا فلا البائعون كانوا راغبين ببيعه ولا المشترون كانوا راغبين بشرائه . * * *
--> 1 - هود ، 85 .